الخرائط التحليلية

مسارات نقل الطاقة بين العراق وسوريا وموانئ البحر المتوسط

شارِكْ
قراءة
مسارات نقل الطاقة بين العراق وسوريا وموانئ البحر المتوسط
حجم الخط

بدأت سوريا في 25 أيلول/ سبتمبر 2026 أداء دور جديد في مسارات الطاقة الإقليمية، بعدما انطلقت منها أُولى شحنات البنزين القادمة بحراً عبر ميناء بانياس باتجاه العراق براً، في تحوُّل يجعل مسار الطاقة بين البلدين يعمل بالاتجاهين، بعدما بدأ العراق منذ أشهر استخدام الأراضي السورية لنقل الفيول إلى بانياس وتصديره عبر البحر المتوسط، قبل أن يستخدم المسار نفسه لاستيراد البنزين عبر سوريا.

وكان العراق بدأ مطلع أيلول/ سبتمبر وضع الخطط ودراسات الجدوى والتكاليف لشبكة أنابيب تمتد من البصرة إلى حديثة، وتتفرع منها مسارات؛ أحدها باتجاه بانياس السورية، مع تخصيص طاقة مبدئية تقدر بمليون برميل يومياً للفرع الممتد من حديثة إلى بانياس. وسبق أن وقّعت سوريا والعراق في تموز/ يوليو مذكرتَيْ تفاهم لإعادة تأهيل المسار، بمشاركة ائتلاف يضم "شيفرون" وUCC Holding وTI Capital لإجراء الدراسات الفنية والمالية للمشروع.

وتعطي هذه التطورات سوريا موقعاً مختلفاً في خريطة الطاقة الإقليمية؛ فوظيفتها المحتملة تشمل استخدام مرفأ بانياس لاستقبال وتصدير الشحنات النفطية، والاستفادة من منشآت التخزين والتكرير، إلى جانب النقل البري، أيْ لم يَعُدْ دورها مقتصراً على عبور النفط العراقي عبر أراضيها، بما يجعل الساحل السوري منفذاً للعراق على البحر المتوسط، وكذلك بوابة تسمح باستقبال المشتقات المستوردة بحراً ونقلها إلى العراق ودول الجوار.

وتزداد أهمية هذا الدور مع سعي العراق إلى تقليل اعتماده على مضيق هرمز، بعدما كشفت الحرب مع إيران هشاشة الاعتماد الكبير على المنافذ الخليجية. ولذلك أعلنت بغداد أنها تستهدف رفع قدرتها التصديرية إلى نحو 5 ملايين برميل يومياً عبر تطوير مسارات بديلة، بينها بانياس السورية وتركيا، مما يجعل أهمية المسار السوري مرتبطة بحاجات عراقية طويلة الأمد، وليس فقط بظروف إغلاق هرمز الحالية.

كما أن نجاح خط "حديثة – بانياس" قد يفتح المجال لاحقاً أمام ربطه بالساحل اللبناني؛ حيث بحث العراق ولبنان إنشاء فرع يمتد من سوريا باتجاه طرابلس، لكن هذا المقترح ما يزال في مرحلة الدراسات والاتصالات الفنية، ولم يتحول بعد إلى مشروع تنفيذي. وفي حال التنفيذ ستكون سوريا نقطة الربط البرية الأساسية بين النفط العراقي ومَنفذين على شرق المتوسط في بانياس وطرابلس، بدلاً من كونها مجرد دولة عبور بين العراق ولبنان.

وتكمن أهمية هذا التحوّل بالنسبة إلى سوريا في أنه قد يدفع إلى إعادة تأهيل شبكة الأنابيب ومنشآت التخزين ومرفأ بانياس، وجذب استثمارات مرتبطة بالنقل والتكرير والخدمات النفطية، بالتوازي مع اهتمام شركات دولية بقطاع الطاقة السوري ومباحثات "شيفرون" بشأن التنقيب البحري وتطوير البنية التحتية النفطية.

مع ذلك ما يزال تحوُّل سوريا إلى عقدة إقليمية مستقرة للطاقة مرتبطاً بقدرتها على تجاوز مجموعة من التحديات، أبرزها: تأمين خطوط النقل، وإعادة تأهيل البنية التحتية المتضررة، وتأمين التمويل اللازم للمشاريع الكبرى، إلى جانب بناء بيئة قانونية واستثمارية تستطيع جذب الشركات الدولية والمحافظة على استمرارية حركة الطاقة عبر الأراضي السورية. وتختلف التقديرات بشأن كلفة إنشاء الشبكة الجديدة ومدتها بحسب نطاق المشروع، ففي حين قدّرت الشركة السورية للبترول مدة تنفيذ المشروع بنحو 30 شهراً إلى 3 أعوام من تاريخ توقيع العقد، أشارت تقديرات مرتبطة بالشبكة الإقليمية الأوسع المقترحة بين حقول العراق وبانياس إلى أنها قد تتطلب نحو 4 سنوات وكلفة لا تقل عن 15 مليار دولار.

ويرتبط نجاح هذا التحوّل أيضاً بمستوى أوسع من الاستقرار الإقليمي، خاصة في العلاقة "السورية – الإسرائيلية"؛ لأن استمرار الضربات الإسرائيلية أو بقاء احتمالات التصعيد العسكري مرتفعة قد يحدّ من قدرة سوريا على جذب الاستثمارات وضمان استمرارية مشاريع الطاقة العابرة لأراضيها. بمعنى يُمكن أن تضيف مشاريع الطاقة حافزاً اقتصادياً إلى الجهود الأمريكية الرامية للوصول إلى تفاهم أمني بين دمشق وإسرائيل، بما يقلل أخطار التصعيد ويؤمن بيئة أكثر استقراراً للمشاريع الإقليمية، غير أنّه لا يوجد حتى الآن ارتباط معلن بين هذه المشاريع والمفاوضات الأمنية بين الجانبين.

بالمحصلة، تكمن أهمية سوريا في مشاريع الطاقة الإقليمية حالياً في موقعها بين العراق وشرق المتوسط وامتلاكها بنية تحتية يمكن إعادة تأهيلها لخدمة هذا الدور، فضلاً عن امتلاكها احتياطيات كبيرة من النفط والغاز. عدا أنّ جزءاً من هذه الوظيفة لم يَعُد افتراضياً؛ حيث تحولت بانياس خلال الأشهر الماضية إلى منفذ فعلي للمنتجات النفطية العراقية، ثم إلى نقطة استقبال لمشتقات متجهة بالاتجاه المعاكس نحو العراق، بما يؤسس تدريجياً لدور سوري أوسع كعقدة لنقل الطاقة في المنطقة وتخزينها وتصديرها.

الباحثون