تحت المجهر

كيف تُسهم سوريا في إعادة تشكيل الأمن الإقليميّ؟

شارِكْ
قراءة
كيف تُسهم سوريا في إعادة تشكيل الأمن الإقليميّ؟
حجم الخط

ألغت الولايات المتحدة في 24 آب/ أغسطس 2026 تصنيف سوريا دولةً راعيةً للإرهاب، بعد انتهاء مهلة المراجعة التي بدأت عقب إبلاغ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الرئيس أحمد الشرع بالقرار خلال اجتماعهما في أنقرة بتاريخ 8 تموز/ يوليو الماضي. ويُعَدّ القرار أحدث مؤشر على انتقال العلاقة بين واشنطن ودمشق من رفع القيود السياسية والاقتصادية إلى إدماج سوريا تدريجياً ضِمن ترتيبات التعاون الأمني والإقليمي.

وقُبيل قرار الرئيس ترامب إلغاء سوريا من القائمة كانت القيادة المركزية الأمريكية قد عقدت في 1 تموز/ يوليو الماضي حواراً أمنياً إقليمياً في البحرين، بمشاركة قادة عسكريين من الولايات المتحدة و11 دولة عربية، بينها سوريا ولبنان للمرة الأولى، لبحث تعزيز التعاون الدفاعي بين الدول المجتمِعة وتأمين التجارة عبر مضيق هرمز.

أشار بيان "سنتكوم" إلى أن خلية تنسيق الدفاع الجوي في الشرق الأوسط لم تُنشأ خلال اجتماع البحرين، وإنما أنشأتها القيادة المركزية بالتعاون مع عدد من دول المنطقة في كانون الثاني/ يناير 2026، بهدف تبادُل المعلومات والإنذارات المبكرة بشأن التهديدات، وتعزيز الاستجابة للحالات الطارئة، وتنسيق أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي.

ورغم أنّ بيان سنتكوم لم يُحدّد الدول المنضوية إلى خلية الدفاع الجوي فإن مشاركة سوريا في الاجتماع تفتح المجال أمام تطوير هذا التعاون مستقبلاً وبما قد يُسهم في تعزيز قدراتها في مجال الدفاع الجوي ضِمن ترتيبات أمنية إقليمية تقودها الولايات المتحدة، خاصة في ظلّ التحوُّلات الأمنية المتسارعة في المنطقة. هذا رغم معارضة إسرائيل الواضحة لأيّ خُطُوات من شأنها إعادة بناء القدرات الجوية السورية، خصوصاً بعد قصفها مطار أبو الظهور العسكري.

يأتي ذلك في وقت تركّز فيها الولايات المتحدة على إضعاف إيران بالتوازي مع إضعاف وكلائها، ويبدو أنّها ترى الفرصة مواتية لاستثمار المتغيرات في المنطقة، بعدما تغيَّر التوجه السياسي في لبنان والعراق، وبشكل خاص في سوريا، وهي دول كانت طهران تتحكم إلى حدّ كبير بقراراتها، ولا يعني ذلك وجود آلية أمنية ثلاثية معلَنة، وإنما توزيع أدوار متقاربة على حكومات الدول الثلاث، بما يعزز قدرة مؤسساتها على استعادة القرار الأمني من القوى المرتبطة بإيران.

كرر الرئيس ترامب القول إن الرئيس السوري أحمد الشرع يرغب في المساعدة على معالجة ملفّ حزب الله، وإنه سيتعامل معه بطريقة مختلفة وأكثر دقة من الإسرائيليين، في إشارة إلى مقاربة تعتمد العمل الأمني والسياسي بدلاً من العمليات العسكرية واسعة النطاق. كما أن الاجتماعات التي عقدها الرئيس الأمريكي مع كل من الرئيس السوري ورئيس الوزراء العراقي والرئيس اللبناني تكشف عن ملامح مقاربة مختلفة تتجاوز سياسة الضغط العسكري التقليدية، وتعتمد سياسة التفاوض والتفكيك التي تستهدف البنية الإقليمية التي بنتها إيران خلال السنوات السابقة.

بدأت ملامح المقاربة التي ينوي الجانب السوري العمل بها من خلال توقيفه في 16 تموز/ يوليو شحنة أسلحة دخلت من الأراضي العراقية، وكانت مخبأة داخل أحد الصهاريج المخصصة لنقل النفط، ضمّت الشحنة صواريخ بعيدة المدى، وصواريخ موجَّهة مضادة للدروع، وطائرات مسيّرة، يبدو أنها كانت مُعَدّة للعبور نحو لبنان لصالح حزب الله، وهو ما نفاه الحزب.

في غضون ذلك، قادت التحقيقات إلى الكشف عن شبكة ممتدة بين العراق وسوريا ولبنان، حيث إن بعض الأسماء التي وردت في التحقيق مسؤولة عن تهريب الأسلحة والمخدرات منذ فترة حكم نظام الأسد، وتم تزويد كل من الجانب العراقي واللبناني بالأسماء المنتمية لكل منهما، وباشر العراق تحقيقاته وتوقيف المرتبطين بهذا الملفّ. وهذا يكشف أن الدور السوري لم يقتصر على ضبط الشحنة، حيث شمل توفير معلومات تسمح بتفكيك الشبكة في الدول التي تنشط فيها.

وفي 8 آب/ أغسطس، أحبطت قوى الأمن الداخلي السوري بالتعاون مع جهاز الاستخبارات محاولة أخرى لتهريب أسلحة وذخائر من محافظة طرطوس إلى لبنان. ويشير تكرار عمليات الضبط إلى أن السلطات السورية تعاملت مع شحنة الصهريج السابقة ضِمن حملة أوسع لإغلاق مسارات إمداد السلاح عَبْر الأراضي السورية.

وتزامنت الإجراءات السورية مع تصعيد أمريكي في المسار المالي؛ حيث فرضت وزارة الخزانة الأمريكية في 20 آب/ أغسطس عقوبات على 10 أشخاص قالت إنهم يديرون شبكة لنقل الأموال إلى حزب الله عَبْر الرحلات التجارية بين إيران وتركيا والإمارات ولبنان. وبذلك تجمع المقاربة الأمريكية بين تعطيل طرق السلاح التي تمر براً عَبْر العراق وسوريا، وملاحقة شبكات التمويل التي تعمل خارج النظام المالي الرسمي.

كما بدأت ملامح تشكيل تجمُّع ذي ثِقَل شعبي ومعنوي تحت مسمى "تجمُّع العشائر والعائلات" في منطقة "بعلبك – الهرمل" شرق لبنان، وفي البقاع الغربي وعكار شمال لبنان، بهدف ضمّ أكبر عدد ممكن من العشائر والعائلات الشيعية، ويهدف هذا التجمع إلى رفع صوت البيئة الاجتماعية للحزب ضدّ ممارساته التي وضعت أبناء الطائفة الشيعية في علاقة متوترة مع المكوِّنات اللبنانية الأخرى، وفي موقع مخالف لقرارات الدولة ومؤسساتها، إضافة إلى دور الحزب في توتير العلاقة مع دول عربية، خاصة سوريا.

إذاً تعمل الولايات المتحدة على تحويل سوريا إلى شريك أساسي للقيام بمهام متعددة تتمثل بضبط الحدود مع لبنان والعراق، اللذين يُعدّان مسارين استخدمتهما إيران لنقل السلاح والعتاد لحزب الله، أقوى الأذرع الإيرانية في المنطقة وأكثرها نفوذاً واعتماداً من قِبل إيران.

ولا يبدو أن الدور المطلوب من سوريا يتمثّل في خوض مواجهة عسكرية مباشرة داخل لبنان، بقدر ما يقوم على منع استخدام أراضيها ممراً للسلاح والمقاتلين، وملاحقة شبكات التهريب، وتبادُل المعلومات مع العراق ولبنان. ويمنح ذلك دمشق دوراً أمنياً إقليمياً مؤثراً، من دون تحميلها أعباء التدخل العسكري وما قد ينتج عنه من توتُّرات داخلية وطائفية.

بالمحصِّلة فإن الدور الأمني للدولة السورية في المنطقة، والمتعلق بإضعاف النفوذ الإيراني أو إنهائه، يُمكن أن ينعكس على مسار العلاقة "السورية – الإسرائيلية". غيرَ أن الدور السوري في تقليص نفوذ إيران لا يضمن وحده وقف الغارات والتوغلات الإسرائيلية؛ إذ أظهر استهداف قاعدة أبو الظهور في 18 آب/ أغسطس أن إسرائيل تنظر أيضاً بقلق إلى إعادة بناء القدرات العسكرية السورية والدور التركي في البلاد، بمعزل عن موقف دمشق من إيران وحزب الله.

بذلك تتحوَّل سوريا من الحلقة الأساسية في الممرّ الإيراني الممتدّ بين العراق ولبنان إلى دولة تعمل على تعطيل هذا الممرّ، ويمنحها هذا التحوُّل دوراً متزايداً في إعادة تشكيل الأمن الإقليمي، لكنه يضعها في الوقت ذاته أمام تحدي الحفاظ على التوازن بين التوافق مع الرؤية الامريكية للمنطقة وإعادة تشكيل بنيتها الأمنية والاقتصادية، وتجنُّب الانجرار إلى مواجهة عسكرية مباشِرة داخل لبنان، فضلاً عن استمرار الضغوط العسكرية الإسرائيلية.

الباحثون