أوقفت السلطات السورية منتصف آب/ أغسطس 2026 رجل الأعمال ومدير معمل القنواتي للصناعات الدوائية رفيق القنواتي؛ حيث يخضع حالياً لتحقيقات حول استخدام مادة "بسودوإيفيدرين" الأولية لتصنيع المخدرات في مصنعه. وسبق ذلك قيامُ هيئة مكافحة الكسب غير المشروع في تموز/ يوليو الماضي بوضع يدها على معمل القنواتي للصناعات الدوائية في جديدة عرطوز بدمشق ضِمن تحقيقات متصلة بمالكه. وإذا أثبتت التحقيقات هذه الشبهات فإن القضية لن تقتصر على مخالفة ارتكبها مصنع بعينه، كونها ستكشف عن استمرار إمكان استغلال المنشآت الدوائية المرخَّصة والمواد الداخلة في تصنيع الأدوية غطاءً لإنتاج المخدرات.
ومؤخَّراً أعلنت إدارة مكافحة المخدرات في سوريا إحباط محاولة تهريب شحنة كبيرة من المواد المخدرة إلى الأردن، فيما يتكرر الإعلان بين حين وآخر عن إحباط محاولات مماثلة عبر الحدود السورية. ولا تثبت هذه العمليات بالضرورة أن جميع الشحنات أُنتجت داخل سوريا، لكنها تدلّ على أن الأراضي السورية ما تزال جزءاً من مسارات تجارة المخدرات الإقليمية، رغم إعلان وزارة الداخلية السورية في 4 حزيران/ يونيو 2025، بعد سقوط نظام الأسد، ضبط جميع معامل إنتاج أقراص الكبتاغون، التي كان إنتاجها وتهريبها منتشراً على نطاق واسع خلال فترة حكم النظام السابق. ويشير استمرار محاولات التهريب إلى أن تفكيك مواقع الإنتاج المعروفة لم يكن كافياً لإنهاء النشاط؛ لأن شبكات التمويل والتوريد والنقل والتوزيع أكثر قدرة على التكيف وإعادة التموضع من المعامل الثابتة.
وتتزايد هذه المخاوف مع ورود معلومات، استناداً إلى تحقيقات صحافية، عن منح وزارة الصحة ترخيصاً جديداً لتصنيع الأدوية البشرية لشخص متهم بالتورط في إنتاج الكبتاغون خلال فترة نظام الأسد. فقد كشفت وثائق من أرشيف مكافحة المخدرات تعود إلى عام 2017 عن قيادة غيث الأنصاري شبكة اختلست مادة البسودوإيفيدرين المخصصة للصناعة الدوائية وباعتها في السوق السوداء لاستخدامها في تصنيع الكبتاغون. كما غطّت الشبكة العجز في المواد الأولية بطحن حبوب "ديكوستامين" وإعادة كبسها في عبوات أدوية أخرى، ومررت الصفقات عبر مستودعات في دمشق وحلب وطرطوس، وقّع أصحابها فواتير تسلُّم وهمية لتغطية التلاعب بالمواد الفعّالة. وإذا صحّت المعلومات المتعلقة بمنحه ترخيصاً جديداً، فإن ذلك يكشف عن خلل في تدقيق خلفيات المستثمرين وفي تبادُل المعلومات بين الجهات الصحية والأمنية والرقابية، بما يسمح بإعادة إدماج أشخاص تحيط بهم شبهات سابقة ضِمن القطاع الدوائي القانوني.
وتُعَدّ الصناعات الدوائية في سوريا من القطاعات الإنتاجية ذات الأهمية الاقتصادية والإستراتيجية؛ لما توفره من فرص عمل واستثمارات، ولما تؤديه من دور في تحقيق الأمن الدوائي وتقليل الاعتماد على الاستيراد. كما يشكل القطاع نواة لصناعات وخدمات مكملة، مثل التغليف وتصنيع المعدات الطبية والنقل والتخزين والبحث العلمي التطبيقي. لذلك لا يعني إحياء الصناعات الدوائية زيادة إنتاج الأدوية فحَسْبُ، إنما يمكن أن يسهم في تنشيط سلسلة أوسع من الأنشطة الصناعية، وتحقيق قدر أكبر من التوازن بين الأمن الصحي والاقتصادي، وتهيئة سوريا على المدى البعيد للمنافسة في أسواق المنطقة، خصوصاً في مجال المستحضرات البيولوجية والصناعات الدوائية الحيوية.
مع ذلك تراجعت صادرات الصناعات الدوائية السورية إلى نحو 40 مليون دولار، وباتت أسواقها الخارجية تقتصر على 23 دولة، مما يعكس تقلص القدرة الإنتاجية والتنافسية للقطاع مقارنة بما كان عليه سابقاً. وتعيش هذه الصناعة مرحلة حسّاسة بين محاولات الإنعاش بعد سنوات الحرب الطويلة، وصعوبات اقتصادية ولوجستية تعوق أداء المعامل. وتتمثل أبرز التحديات في صعوبة تأمين المواد الأولية اللازمة للإنتاج وارتفاع تكلفتها في الأسواق العالمية، وهو ما ينعكس على أسعار الأدوية في السوق المحلية. كما ألحقت الحرب أضراراً واسعة بالبنية التحتية؛ إذ تعرضت معامل عدة للتدمير الجزئي أو الكلي، وخرج جزء من الأجهزة والمعدات عن الخدمة، مما يجعل استعادة الإنتاج مرتبطة بتأمين التمويل والتجهيزات والطاقة وسلاسل التوريد، لا بمجرد إعادة منح التراخيص.
وتواجه الصناعة أيضاً تحديات تنظيمية ومعوِّقات قانونية تَحُدّ من قدرتها على التعافي؛ إذ فرضت وزارة الصحة رسوماً مقوَّمة بالدولار على معامل الأدوية المحلية، مما زاد تكاليف الإنتاج وانعكس على أسعار الأدوية الوطنية. وفي الوقت نفسه، أدت سياسة الاستيراد المفتوح إلى انتشار الأدوية المستوردة في الصيدليات والأسواق بأسعار وجودة تنافسيتين، وهو ما وضع المنتَج المحلي في منافسة غير متكافئة، ودفع شريحة من المستهلكين إلى تفضيل البدائل المستوردة. وبذلك يعمل القطاع الدوائي ضِمن بيئة تتداخل فيها ارتفاعات التكلفة، ونقص بعض الأصناف الأساسية، وتراجُع القدرة الشرائية، وضعف القدرة على التصدير؛ مما يُهدّد بخروج معامل إضافية من السوق إذا لم تُعالَج هذه الاختلالات.
غير أن أخطار هذه البيئة لا تقتصر على انكماش الإنتاج المشروع؛ حيث إن ضعف الرقابة على المواد الدوائية مزدوجة الاستخدام، بالتزامن مع الضغوط المالية التي تواجه المعامل، قد يفتح ثغرات تستغلها شبكات المخدرات للحصول على المواد الأولية أو استخدام التراخيص والمستودعات وقنوات الاستيراد والتصدير غطاءً لأنشطتها. ولا يعني ذلك أن تعثُّر الصناعات الدوائية يقود تلقائياً إلى انخراط معاملها في إنتاج المخدرات، لكنه يزيد قابليتها للاختراق، لا سيما إذا اجتمع الضيق المالي مع ضعف التدقيق في المستثمرين وغياب أنظمة التتبع الدقيقة.
وإذا استمرت الظروف الحالية دون معالجة شاملة، فإن تعافي صناعة الأدوية سيبقى محدوداً، بينما تزداد فرص استغلال منشآتها القانونية في أنشطة غير مشروعة. كما أن عودة أشخاص نُسب إليهم سابقاً التورط في تجارة الكبتاغون إلى ممارسة أعمالهم من خلال معامل مرخصة -إنْ ثبتت- يُشير إلى أن تفكيك البنية الظاهرة لهذه التجارة لم يترافق بالضرورة مع تفكيك شبكاتها المالية والإدارية وعلاقاتها داخل المؤسسات. ومن ثَمّ فإن الخطر لا يتمثل فقط في إنشاء معامل سرية جديدة، فهناك احتمال لإعادة تشغيل بعض حلقات الإنتاج والتوريد القديمة من داخل القطاع القانوني، بما يضرّ بسمعة الصناعة الدوائية السورية ويقوض فرص تصدير منتجاتها، إضافة إلى آثاره الأمنية والصحية.
بالمحصِّلة، يرتبط مستقبل الصناعة الدوائية السورية بقدرة الدولة على تحقيق مسارين متلازمين: بناء بيئة إنتاجية تساعد المعامل المشروعة على الاستمرار والتعافي، وتطوير منظومة رقابية تمنع استغلالها في إنتاج الكبتاغون أو توفير مواده الأولية. ويتطلب المسار الأول تخفيض الرسوم على المواد الضرورية، ودعم إعادة تأهيل المعامل، وتشجيع الاستثمار والتصدير؛ بينما يتطلب الثاني تشديد التدقيق في خلفيات أصحاب التراخيص والمستودعات، وتعزيز التنسيق بين وزارتَي الصحة والداخلية والجهات الرقابية، وإنشاء نظام لتتبُّع المواد الدوائية مزدوجة الاستخدام من لحظة استيرادها حتى دخولها في المنتَج النهائي.
وعليه فإن معركة تفكيك شبكات الكبتاغون ما تزال في بدايتها؛ لأن ضبط المعامل والشحنات يعالج المظاهر المباشرة للنشاط، في حين يكمن التحدي الأعمق في تفكيك الشبكات الاقتصادية واللوجستية والإدارية التي عملت تحت الغطاء الرسمي خلال حقبة نظام الأسد، ودون تفكيك هذه الشبكات ومنع وصولها مجدَّداً إلى المعامل والتراخيص والقنوات التجارية الدوائية، قد تتحول محاولات إنعاش الصناعة إلى فرصة غير مقصودة لإعادة بناء جزء من اقتصاد الكبتاغون.

