منذ سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، شهد جنوب سوريا تحوُّلاً عسكرياً وأمنياً واسعاً، بعدما استغلت إسرائيل الفراغ الأمني والتغيير في موازين القوى للتوغل داخل المنطقة العازلة المنزوعة السلاح التي أقرتها اتفاقية فضّ الاشتباك لعام 1974 تحت مراقبة قوة الأمم المتحدة، ثم تجاوزتها في بعض المواقع بريف القنيطرة.
خلال الأشهر التالية، أقامت إسرائيل شبكة من القواعد والنقاط العسكرية الثابتة، تمتد من قمة جبل الشيخ شمالاً إلى حوض اليرموك جنوباً. ويبلغ عدد هذه المواقع حالياً 11 قاعدة ونقطة عسكرية، تتركز غالبيتها في محافظة القنيطرة، وتمتد إلى الشمال باتجاه ريف دمشق في موقعَيْ جبل الشيخ والتلول الحمر، وإلى الجنوب نحو محافظة درعا في ثكنة الجزيرة بحوض اليرموك، مع وجود قاعدتين متجاورتين موجودتين حتى قبل سقوط نظام الأسد في مجدل شمس.
أسندت إسرائيل تلك القواعد ببنية تحتية تشمل طرقاً لوجستية جديدة وتحصينات وسواتر ترابية وأبراج مراقبة وبوابات وأسواراً حديدية وأماكن إقامة مجهزة للبقاء لفترات طويلة، مما يشير إلى تحوُّل معظمها من نقاط انتشار مؤقتة إلى مواقع عملياتية ذات طابع شِبه دائم، تُستخدم للسيطرة على المرتفعات والطرق والممرات الإستراتيجية ومراقبة التحركات في جنوب سوريا.
أُنشئت معظم القواعد الإسرائيلية في سوريا بين 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024 ومطلع آذار/ مارس 2025، أي خلال الأشهر الأولى التي أعقبت سقوط نظام الأسد ووصول المعارضة السورية بقيادة هيئة تحرير الشام إلى الحكم.
تنتشر القواعد الإسرائيلية في قمة جبل الشيخ بريف دمشق، وقاعدة التلول الحمر غرب بيت جن وشمال حضر، إضافة إلى قاعدة في قرص النفل ضِمن قرية عين التينة شمال غربي حضر، وقاعدة في المحمية الطبيعية في جباتا الخشب، وقاعدة أخرى شمال شرقي بلدة الحميدية، وقاعدة ضِمن مدينة القنيطرة المهدمة، وقاعدة العدنانية قرب سد المنطرة شرق القحطانية، وقاعدة تل أحمر غربي جنوب بلدة كودنة، إضافة إلى موقعين قرب مجدل شمس في المنطقة الوسطى بينها وبين حضر، وثكنة الجزيرة غرب بلدة معرية في درعا.
تنتشر هذه القواعد على المرتفعات والتلال وبالقرب من السدود وضمن الممرات الطبيعية والغابات، بما يوفر لإسرائيل سيطرة واسعة وقدرة مراقبة عميقة باتجاه دمشق والداخل السوري، إضافة إلى ربط لوجستي بالجولان المحتل. وقد اختِيرت هذه المواقع للسيطرة على الممرات المؤدية إلى الجولان، ومراقبة أيّ تحرُّكات عسكرية أو مدنية، وعزل القرى، والسيطرة على الموارد المائية والأراضي الزراعية عبر التجريف والتحصين.
تقع غالبية القواعد الإسرائيلية داخل المنطقة العازلة أو على حدودها، مثل جباتا الخشب والحميدية وأجزاء من القنيطرة المهدمة ومواقع قرب حضر. في المقابل، تتجاوز بعض المواقع خط برافو[1]، شرقاً بمئات الأمتار إلى بضعة كيلومترات داخل الأراضي السورية، كما في تل أحمر غربي جنوب كودنة، إضافة إلى التمدد نحو سد المنطرة أو حوض اليرموك. وتبعد بعض القواعد مئات الأمتار أحياناً ونحو كيلومتر واحد أو كيلومترين خارج المنطقة العازلة في أقصى الحالات، مع بقاء الخط العامّ للسيطرة داخلها أو ملاصقاً لها، في حين تنفذ القوات الإسرائيلية توغلات دورية يصل عمقها أحياناً إلى ما بين 10 و16 كم.
تُوفّر القواعد لإسرائيل نقاط انطلاق للعمليات الأمنية اليومية والهجمات المحدودة. ومنذ أواخر عام 2024 وحتى منتصف عام 2026، استخدمتها إسرائيل في دوريات وتمشيط يومي أو شِبه يومي، وتوغلات واقتحامات للقرى والمنازل، وإقامة حواجز مؤقتة وبوابات صفراء تَحُدّ من حركة المدنيين، إضافة إلى تنفيذ عمليات اعتقال وتفتيش وتجريف للأراضي وهدم للمنازل. وقد شمل ذلك هدم منازل في الحميدية وتجريف أجزاء من الغابات في جباتا الخشب، إلى جانب المراقبة وجمع المعلومات الاستخباراتية والقدرة على الرد السريع على أيّ تهديد محتمل.
تشمل تجهيزات القواعد تحصينات دفاعية وآليات مدرعة وطرقاً لوجستية، وفي بعض الحالات مهابط للمروحيات، مما يجعلها جاهزة للدفاع ولتنفيذ عمليات قتالية هجومية محدودة، أكثر من كونها مجرد قواعد دفاعية ثابتة. ومن المتوقع أن تستمر هذه القواعد في أداء هذا الدور بوصفها شبكة أمنية متقدمة، تهدف إلى إبقاء المنطقة القريبة من الحدود خالية من أيّ وجود عسكري سوري، والحدّ من التجمعات المدنية فيها، مع إمكانية استخدامها منطلقاً لعمليات أعمق أو لتوسيع الانتشار وإقامة مواقع إضافية داخل الأراضي السورية.
تُعَدّ نقطة جبل الشيخ في الوقت الراهن من أبرز المواقع ذات الأهمية الإستراتيجية لإسرائيل على الصعيد الإقليمي، إذ يمنحها موقعها الجغرافي قدرة على توسيع نطاق الرصد والسيطرة، ليس فقط باتجاه سوريا، وإنما أيضاً نحو شمال نهر الليطاني في لبنان وصولاً إلى البحر الأبيض المتوسط. ويعزز ذلك قدرتها على مراقبة جنوب لبنان وتوسيع نطاق تأثيرها الناري والعسكري فيه، كما قد تنظر إسرائيل إلى هذه المنطقة بوصفها مرتكزاً عسكرياً إستراتيجياً قابلاً للاستغلال على المديين المتوسط والبعيد، ضِمن حساباتها الأمنية والعسكرية في المنطقة.
تطالب الحكومة السورية على نحو مستمر بانسحاب إسرائيل كلياً من القواعد التي أنشأتها والعودة إلى تطبيق اتفاقية عام 1974، سواء من خلال جولات التفاوض بوساطة أمريكية، أم عبر المطالب التي يقدمها مندوب سوريا في مجلس الأمن. غير أن المؤشرات الميدانية، المتمثلة في استمرار التوغلات الإسرائيلية شِبه اليومية واعتقال المدنيين وبناء التحصينات، إلى جانب التصريحات الإسرائيلية الرسمية، تعكس احتمال استمرار هذا الوجود لفترة غير محددة.
في المقابل تشترط إسرائيل ألّا يكون هناك أيّ وجود عسكري أو أمني حكومي جنوب دمشق، إضافة إلى سعيها للحصول على ضمانات أمنية من خلال الضغط على الحكومة السورية لتوقيع اتفاق أمني بإشراف أمريكي بأسرع وقت، حيث تعتبر أن الاتفاقات القديمة أصبحت منتهية بعد سقوط نظام الأسد.
تبدو احتمالات الانسحاب الإسرائيلي الكامل من القواعد التي أنشأتها في سوريا ضعيفة في المدى القريب، خاصة مع استمرار بناء التحصينات والبنية التحتية. أما التوسع وزيادة عدد القواعد، فلا يُتوقع أن يحدثا إلا عبر تعزيز المواقع القائمة أو إضافة نقاط جديدة إذا شعرت إسرائيل بوجود تهديد أو أرادت زيادة الضغط على الحكومة السورية. ومع ذلك لا يبدو أن هناك توجُّهاً حالياً نحو توسُّع كبير، بالنظر إلى ما قد يترتب عليه من تكاليف، بقدر ما تتجه إسرائيل إلى ترسيخ سيطرتها على شبكة القواعد الحالية وتعزيز قدراتها.
لا تُمثّل القواعد الإسرائيلية جنوب سوريا نقاط انتشار حدودية مؤقتة فحسْبُ، فهي شبكة عسكرية مترابطة أعادت تشكيل الواقع الأمني الذي قامت عليه اتفاقية فضّ الاشتباك لعام 1974؛ وبموجب هذا الواقع حوّلت إسرائيل المنطقة العازلة، وأجزاء محدودة من الأراضي الواقعة شرقها، إلى نطاق سيطرة فعلية يوفر لها الإنذار المبكر والمراقبة وجمع المعلومات، ويمنحها نقاط انطلاق للدوريات والتوغلات والعمليات المحدودة داخل الأراضي السورية.
أدى الانتشار العسكري الإسرائيلي إلى تداعيات مباشرة على السكان المحليين جنوب سوريا، حيث تقيّدت حركة الأهالي وفقدَ بعضهم المنازل والأراضي الزراعية، مع توسُّع أعمال التجريف والتحصين، وتحويل التوتر الأمني إلى واقع يومي في عدد من قرى القنيطرة وريف درعا وريف دمشق. هذا الوجود العسكري تهدف إسرائيل لاستخدامه ورقة ضغط مستمرة على الحكومة السورية في أيّ مفاوضات أمنية مقبلة.
بالمحصِّلة لا يبدو أن مستقبل القواعد الإسرائيلية سيتحدد بالاعتبارات الميدانية وحدها، وسيبقى مرتبطاً بمسار التفاوض بين دمشق وتل أبيب وطبيعة الضمانات الأمنية التي قد تتضمنها أيّ تسوية مستقبلية. وفي ظلّ استمرار التحصين والتوغلات وغياب اتفاق جديد، تبدو احتمالات الانسحاب الكامل ضعيفة في المدى القريب، بينما يُتوقّع أن تركز إسرائيل على ترسيخ شبكة القواعد الحالية وتعزيزها، أكثر من الاتجاه إلى توسيعها بصورة كبيرة.
[1] يُعَدّ خطّ برافو الحدّ الشرقي لمنطقة الفصل (المنطقة العازلة) في هضبة الجولان وفقاً لاتفاقية فضّ الاشتباك عام 1974 بين سوريا وإسرائيل، ويمتدّ داخل الأراضي السورية حيث يُمنع على القوات العسكرية السورية تجاوُزه غرباً باتجاه منطقة الفصل، بينما تُفرض قيود على وجود القوات والأسلحة لمسافة تصل إلى 25 كيلومتراً شرق هذا الخطّ.

