تقرير تحليلي

العدالة الانتقالية في سوريا: حصيلة العام الأول وأولويات المرحلة المقبلة

شارِكْ
قراءة
العدالة الانتقالية في سوريا: حصيلة العام الأول وأولويات المرحلة المقبلة
حجم الخط

مقدمة

شكّل إنشاء الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية بموجب المرسوم الرئاسي رقم 20 بتاريخ 17 أيار/ مايو 2025 خُطوة مؤسسية بارزة في مسار إعادة بناء الدولة السورية، بعد أكثر من عقد من النزاع والانتهاكات المنهجية التي قام بها نظام الأسد ضدّ الشعب السوري، وعيّن عبد الباسط عبد اللطيف رئيساً لها، ثم صدر المرسوم 149 في آب/ أغسطس 2025 بتشكيل لجنة من 13 عضواً، وتتمتع الهيئة بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، وتُعنى بكشف الحقيقة حول الانتهاكات الجسيمة المرتبطة بالنظام السابق والمساءلة بالتنسيق مع الجهات المعنية وجبر الضرر وترسيخ عدم التكرار والمصالحة.

أولاً: حصيلة العام الأول من التأسيس إلى البدايات التنفيذية

ركَّز العام الأول على تشكيل فريق العمل وبناء الهيكل الإداري وتطوير 6 مسارات، هي: كشف الحقيقة، والمساءلة، وجبر الضرر، والإصلاح وضمان عدم التكرار، والمصالحة والسِّلْم الأهلي، وحفظ الذاكرة الوطنية.

لكن إنشاء الإدارات لم يترافق مع اكتمال جاهزيّتها وانتشارها الميداني؛ فقد ظلّ التوسع الجغرافي يسبق اكتمال القدرة التشغيلية للهيئة، ويُلاحَظ ذلك في توسُّع حضورها إلى محافظتين خارج دمشق، هما حمص ودير الزور، مع بقاء جاهزيتها البشرية والتقنية متفاوتة ومحدودة؛ فبينما افتتحت فرع دير الزور في نيسان/ إبريل 2026، استمرت في استكمال كوادر فرع حمص في سبتمبر. واستفادت في توفير مقارّها من أصولٍ خصَّصتها جهات حكومية أخرى، ومنها مبنى من طابقين سلّمته مديرية الشؤون السياسية في حمص للهيئة في مارس، وقد احتاج إلى التأهيل وتجهيز الكوادر والتقنيات قبل تشغيله.

وفي كشف الحقيقة، بدأ العمل على ملفات مجازر، منها الحولة وجديدة الفضل والجورة والقصور وتسنين والتضامن، عَبْر جمع الشهادات والأدلة والتواصل مع الضحايا، ويمثل ذلك انتقالاً نحو بناء ملفات قابلة للاستخدام القضائي، غيرَ أن الهيئة لم تُعلن بعدُ عن حصيلة إجمالية للشهادات والملفات المكتملة والإحالات الناتجة عنها، بما يحدّ من القدرة على تقييم مراحل تقدُّم هذه الملفات.

أما المساءلة، فقد عملت الهيئة على تحويل الشهادات والأدلة إلى ملفات قضائية، عبر إدارة المساءلة والمحاسبة التي تتولى تقييم المسؤوليات وإعداد الملفات للإحالة ومتابعتها وتقديم الدعم الفني والقانوني. وظهر هذا الدور ميدانياً في جولات شملت دير الزور والحولة والقنيطرة ودرعا، وفي مهين وريفها، استمع وفد مشترك من الهيئة والنيابة والقضاة إلى نحو 60 مدعياً وشاهداً، بينهم قرابة 25 من أولياء الدم، وترافق ذلك مع تقييد دعاوى بحق 3 متهمين بالانتهاكات في المنطقة ومتابعتها، ويُظهر هذا المثال مساهمة عملية في بناء الدعاوى وتقريب إجراءاتها من الضحايا، تتجاوز جمع المعلومات إلى تهيئتها للاستخدام القضائي.

وفي جبر الضرر، انصبّ العمل على إعداد سجل للضحايا ومراكز للتعافي وصندوق مقترح، مع بقاء معايير التعويض قيد التطوير، في ظلّ ضخامة الاحتياجات ومحدودية الموارد التي تجعل التعويض الشامل والسريع صعباً. وبالتوازي عملت الهيئة على تعزيز التنسيق مع المؤسسات الأخرى، لا سيما الهيئة الوطنية للمفقودين، لربط كشف المصير بالإنصاف والمساءلة.

أما في الإصلاح وضمان عدم التكرار والمصالحة وحفظ الذاكرة، فتركز العمل على إعداد الرؤى والحوارات المجتمعية ومبادرات التوثيق، لكن أثرها لم يظهر بعدُ، كونه يتوقف على ترجمتها إلى تعديلات في القوانين والممارسات المؤسسية، ومعالجة النزاعات المحلية، وحماية روايات الضحايا ومواقع الانتهاكات. كما أن التواصل مع الضحايا -رغم أهميته- يحتاج إلى آليات مستدامة تتيح لهم التأثير في الأولويات ومراجعة القرارات، حتى لا تبقى مشاركتهم محصورة في تقديم الشهادات.

بالمحصِّلة حققت الهيئة تقدُّماً في بناء إطار مؤسسي للعدالة الانتقالية، لكن جاهزيته التشغيلية بقيت غير مكتملة، وتفاوت تقدُّم مساراته؛ فبدت مساهمتها في إعداد الملفات القضائية أكثر وضوحاً من النتائج المعلَنة في جبر الضرر والإصلاح، ويكمن القصور في اتساع الفاصل بين بناء الأدوات وإظهار أثرها، بما يجعل أولوية المرحلة المقبلة استكمال القدرات ونشر حصيلة قابلة للقياس، وتحويل التواصل مع الضحايا إلى مشاركة مؤثرة وخدمات فعلية.

ثانياً: أولويات العام الثاني من توسيع الأنشطة إلى تحقيق نتائج قابلة للقياس

تتمثل الأولوية الرئيسية لدى الهيئة في استكمال قانون العدالة الانتقالية، وهي تتباحث في ذلك مع أعضاء مجلس الشعب، ويحتاج القانون إلى تحديد العلاقة بين الهيئة والنيابة والقضاء وهيئة المفقودين، وصلاحيات الوصول إلى الأرشيف وحماية الشهود وحقوق الضحايا وآليات الرقابة والطعن، ويكتسب ذلك أهمية في تحويل التعاون بين المؤسسات من ترتيبات تتطور أثناء العمل إلى اختصاصات وإجراءات واضحة، تتيح متابعة الملفات وتحديد المسؤولية عن تأخُّرها.

ويرتبط استكمال القانون بحسم نطاق الولاية؛ فالتركيز على انتهاكات نظام الأسد مفهوم بالنظر إلى حجمها وطابعها المنهجي، لكنه لا يكفي لإنصاف ضحايا الأطراف الأخرى. كما يتعين توضيح العلاقة بين معالجة إرث النظام والمساءَلة عن الانتهاكات اللاحقة، ومنها أحداث الساحل والسويداء، حتى لا يؤدي تعدُّد الجهات والمحاكم إلى اختلاف معايير المحاسبة بحسب هُوِيّة الجاني أو موقعه السياسي.

وفي المساءلة، تواجه الهيئة تحدياً مزدوجاً: دعم محاسبة جدية لمرتكبي أخطر الجرائم، ومنها التعذيب الجماعي والمجازر واستخدام الأسلحة الكيميائية، وتجنُّب تحميل القضاء عدداً من القضايا يتجاوز قدرته على معالجتها، بما يطيل الانتظار ويُضعف الثقةَ بالعدالة. ولذلك تحتاج إلى سياسة معلَنة لترتيب الملفات، تركز على القادة والمرتكبين المباشرين للانتهاكات الجسيمة، وفق المسؤولية الفردية وقوة الأدلة، مع بحث بدائل غير جنائية، مثل الاعتراف وجبر الضرر والإصلاح، في الحالات الأقل جسامة. ويتطلب ذلك معايير شفّافة وعادلة؛ فلا انخفاض الرتبة الوظيفية يبرر تجاوُز جريمة جسيمة، ولا ترتيب الأولويات يتحول إلى إسقاط مسؤولية بقية المتورطين أو إعفائهم من المحاسبة.

ويحتاج دعم الهيئة للمسار القضائي إلى الاهتمام بضمانات المحاكمة، من دفاع فعّال وحماية المحامين وتمكين الأطراف من مناقشة الأدلة، إلى نشر الأحكام مع حماية هُوِيّات الشهود، وتزداد أهمية ذلك في القضايا متعددة المتهمين والأحكام الغيابية، حيث ينبغي بيان أساس المسؤولية الفردية، كما يتعين التمييز بين الأحكام الابتدائية والقطعية، وبين صدور الحكم وقابليته للتنفيذ؛ فعدد الأحكام لا يكفي لقياس جودة العدالة، بينما يَحُدّ وضوح الجرائم وصور المسؤولية في القانون من تفاوُت الاجتهادات القضائية.

وتبقى حماية الأدلة من أكثر الأولويات إلحاحاً؛ لأن فقدان الأرشيف أو العبث بمواقع الاحتجاز والمقابر الجماعية قد يبدد فرص كشف الحقيقة والمحاسبة، ويتطلب ذلك صلاحيات واضحة وفهرسة موحدة وتوثيق انتقال الأدلة وقدرات في الطب الشرعي والتحليل الرقمي. كما يحتاج التعاون مع هيئة المفقودين والقضاء والمنظمات الحافظة للوثائق إلى بروتوكول يحدد جمع البيانات والوصول إليها وحمايتها، بحيث لا يتحوّل البلاغ الإنساني تلقائياً إلى مسار قضائي يُعرّض الأسرة للخطر، مع احترام الموافقة والسرية والغرض من جمع المعلومات.

وفي جبر الضرر، تبدو البداية الأكثر واقعية في إطلاق برامج محددة ومموَّلة للفئات الأشد تضرُّراً، بالتوازي مع إنشاء الصندوق واستكمال السجل، ويمكن أن تشمل علاج الناجين وتأهيلهم ومساندة أُسَر المفقودين والمساعدة القانونية ومعالجة الوثائق المدنية وحقوق الملكية، وَفْق معايير معلَنة وقابلة للاعتراض، ويحتاج الصندوق إلى تمويل معلوم وقواعد للصرف والتدقيق وتعريف المستفيدين، بينما تبقى الأموال المسترَدّة من الخارج مورداً محتملاً يصعب بناء وعود قريبة بالتعويض عليه. كما أن ردّ الحقوق العقارية يحتاج إلى تنسيق مع القضاء وجهات التسجيل والتشريع (مجلس الشعب) لمعالجة القرارات والسجلات والمطالب المتعارضة، ولا يُختزل في تعويض مالي.

ويتوقف تصميم هذه البرامج وشرعيتها على تحويل مركزية الضحايا إلى مشاركة مؤثِّرة، عبر لجان استشارية متنوعة وقنوات شكاوى آمنة ونشر نتائج المشاورات وأسباب قبول المقترحات أو رفضها، وينبغي أن تشمل المشاركة النساء والناجين وذوي الإعاقة والأُسَر خارج البلاد، وألا تقتصر على الروابط الأكثر حضوراً أو القادرة على الوصول إلى دمشق، كما تحتاج إجراءات التسجيل إلى بدائل إثبات منضبطة ومساعدة قانونية، حتى لا يؤدي اشتراط وثائق مفقودة أو صعبة المنال إلى استبعاد الأشد تضرُّراً، مع ضمان مراجعة قرارات الرفض.

أما ضمان عدم التكرار، فيحتاج إلى ربط توصيات الهيئة بإجراءات مؤسسية يمكن تتبُّعها، مثل ضبط سجلات الاحتجاز والرقابة على أماكنه وتفعيل الشكاوى والتحقيق في التعذيب ومراجعة التشريعات التي أتاحت الاعتقال التعسفي وانتهاك الملكية، ويتطلب إصلاح المؤسسات فحصاً فردياً للمسؤولية والأهلية، يَحُول دون استمرار نفوذ المتورطين أو اعتماد الإقصاء الجماعي على أساس الانتماء السابق، وبذلك تصبح المصالحة مرتبطة بمعالجة أسباب الانتهاكات وضمان الحقوق، بدلاً من استخدامها لتجاوُز مطالب المحاسبة.

ويظلّ تنفيذ هذه الأولويات مرتبطاً باستكمال موارد الهيئة وكوادرها وقدرة فروعها على تقديم الخدمات. ويقتضي ذلك إظهار حجم الموازنة وتوزيع العاملين والمهامّ، مع ضمانات عملية للاستقلال تمنع التأثيرَ في اختيار الملفات أو تعطيل الوصول إلى المعلومات، وعليه ينبغي أن ينتقل معيار النجاح في العام الثاني من اتساع الأنشطة إلى مقدار ما تنتجه من حقوق مستعادة وخدمات منتظمة ونتائج يستطيع الضحايا الوصول إليها ومراجعتها.

خُلاصة

تُظهر حصيلةُ العام الأول أن الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية وضعت أساساً مؤسسياً، وبدأت تحويل التوثيق والشهادات إلى ملفات تدعم المساءلة، لكن قدرتها التشغيلية بقيت غير مكتملة وحتى ضعيفة، كما تفاوت تقدُّم مساراتها، مع محدودية النتائج المعلَنة في جبر الضرر والإصلاح ومشاركة الضحايا، ولذلك يتمثّل التحدي الرئيسي أمامها في استكمال الإطار القانوني والموارد، وربط كشف الحقيقة بالمحاسبة والإنصاف وضمان عدم التكرار، مع ترتيب القضايا وَفْق جسامتها والمسؤولية الفردية، بما يتيح محاسبة جِديّة دون تحميل القضاء أعباء تتجاوز قدرته أو تحويل الأولويات إلى إفلات من العقاب.

ويحتاج تقييم هذا الانتقال إلى حصيلة دورية توضح الشكاوى والملفات المُتحقَّق منها والإحالات ونتائجها والمستفيدين من جبر الضرر والتوصيات الإصلاحية المنفَّذة، بما يكشف مَواطن التقدم والتأخر ويقيس أداء الفروع بخدماتها، ويظلّ نجاح الهيئة مرتبطاً بقدرتها على تحقيق إنصاف دون تمييز، ودعم مساءلة سليمة، وإتاحة مشاركة مؤثرة للضحايا؛ فالأثر المطلوب هو تحويل العمل المؤسسي إلى حقوق مستعادة ونتائج ملموسة تعزز الثقة بين المجتمع والدولة.

الباحثون