دراسات

الترفيع الاجتماعي في سوريا بين عامَيْ 1946 و 2024

شارِكْ
قراءة
الترفيع الاجتماعي في سوريا  بين عامَيْ 1946 و 2024
حجم الخط

الملخص التنفيذي

مفهوم الترفيع الاجتماعي هو أحد المفاهيم الجديدة التي استخدمها علماء الاجتماع في بعض الكليات والمعاهد الغربية وَفْق مفهوم "Social Status"، لدراسة موضوع سلطة النخبة والفئات المجتمعية الحاكمة في الدول على اختلاف مستوى تقدُّمِها وتطوُّرِها، وتُمثّل التجربة السياسية السورية إحدى التجارب ذات الأهمية في هذا الموضوع، في ضوء تجربتها المُحاطة بإشكاليات تاريخية وسياسية.

شكلت الظروف الدولية والإقليمية عواملَ أساسيَّة في رسم المشهد السياسي السوري، بينما أثَّرت الظروف الداخلية في الساحة السورية في رسم معالم المشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي في البلاد، في فترة شهدت فيها التجربة السياسية السورية الانتقال إلى الحكم الملكي بعد الانسحاب العثماني من المنطقة، ثم الانتقال سريعاً إلى الحكم البرلماني، ثم الانقلابات وما تخللها من فترة الوحدة مع مصر، لتصل بعدها في فترة حكم حزب البعث وعائلة الأسد إلى الحكم الرئاسي بصفته الفردية الاستبدادية.

تأثّر موضوع الترفيع الاجتماعي في التجربة السياسية السورية بطبيعة الأحداث التاريخية والسياسية التي بدأت مع استقلال البلاد عام 1946، المرحلة التي شهدت تكوين نخبة سياسية وحزبية جديدة مع خروج الانتداب الفرنسي وتأسيس حكم وطني وإجراء انتخابات نيابية ورئاسية، المرحلة التي عُرفت باسم فترة حكم البرجوازية الدمشقية والحلبية.

انتقل المشهد السياسي السوري إلى محطة جديدة مع تدخُّل الجيش بالعمل السياسي وعلى وجه التحديد بعد إعلان العقيد حسني الزعيم الانقلاب العسكري الأول في سوريا عام 1949، الانقلاب الذي أدى إلى سيطرة الجيش على المشهد السياسي والمجتمعي السوري، واستمر هذا الحال تقريباً حتى جمهورية الوحدة بين سوريا ومصر عام 1958، ثمَّ تعزَّز حكم العسكر بشكل أكبر مع انقلاب حزب البعث عام 1963 ثم سيطرة حافظ الأسد على حكم البلاد عام 1970 وصولاً إلى توريث الحكم لابنه بشار الذي سقط نظامه بتحرير البلاد نهاية عام 2024.

ترصد هذه الدراسة محدِّدات الترفيع الاجتماعي في سوريا منذ الاستقلال عام 1946، حتى التحرير وسقوط نظام الأسد نهاية عام 2024، من خلال دراسة سوسيولوجية في ضوء نظرية النخبة، إحدى النظريات الأساسية في علم الاجتماع السياسي، وتهدف الدراسة إلى التعرف على أُسُس الترفيع الاجتماعي ومعاييره في المحطات التاريخية الممتدة في المجال الزمني للدراسة.

اعتمدت الدراسة على المنهج التاريخي لتتبُّع المسار الزمني لموضوع الترفيع الاجتماعي، مع استخدام المنهج الوصفي التحليلي في عرض محدِّدات الترفيع الاجتماعي وشرح سياقاتها وارتباطاتها مع الظروف السياسية والأمنية ضِمن كلِّ مرحلة زمنية في هذه الدراسة، واستدعى اختلافُ الظروف في مراحل الدراسة الممتدة منذ الاستقلال حتَّى التحرير اعتمادَ المنهج المُقارِن لملاحظة مَواطن التشابه والاختلاف بين مرحلة وأخرى، ومقارنة تأثير الظروف السياسية بين هذه المراحل الزمنية.

عالجت الدراسة المشكلة البحثية التي يمكن تلخيصها في السؤال التالي: ما محدِّدات الترفيع الاجتماعي في سوريا بين عامَيْ 1946 و 2024؟ لتضع بين يدَي الخبراء والسياسيين والباحثين في علم الاجتماع إضاءة على الماضي تساهم في إيضاح الدوافع والأسباب التي غيَّرت في المشهد السياسي والاجتماعي، الأمر الذي يساعد في إدراك معالم الترفيع الاجتماعي في فترة ما بعد التحرير، ودور النخبة الجديدة أو أثرهم في التعافي والاستقرار.

أظهرت نتائج الدراسة أنَّ مُحدِّدات الترفيع الاجتماعي خلال مرحلة مقاومة الانتداب وصولاً إلى الاستقلال تمثَّلت بالنخبة السياسية والبرجوازية الاقتصادية، أمَّا في فترة حكم الانقلابات العسكرية فتأثَّرت بتنامي دور الجيش في المشهد السياسي في ظل تراجُع دور الأحزاب السياسية، ثمَّ بالانتقال إلى مرحلة الوحدة فسادت نخبة عسكرية وسياسية سورية جديدة كانت مقربة من القيادة المصرية التي ترأَّست جمهورية الوحدة.

شهدت الفترة التي أعلن فيها حزب البعث عن انقلابه العسكري عام 1963 تنامي دور الجيش والأجهزة الأمنية، وتراجُع دور النخب السياسية والاقتصادية أكثر وأكثر، واستمرت هذه المحدِّدات حتى عام 1970 الذي شهد انقلاب حافظ الأسد على صلاح جديد، فظهرت محدِّدات جديدة للترفيع الاجتماعي تمثلت بطبقة التجار، وتصاعد دور علماء الدين الإسلامي بعد محاولات الأسد فرض دستور علماني عام 1973.

أدت أحداث حماة عام 1982 إلى ظهور محدِّدات جديدة للترفيع الاجتماعي كان أساسها قيادة الجيش والأجهزة الأمنية، وطبقة تجارية حليفة لنظام الأسد، ثمَّ بعد اندلاع الثورة عام 2011 ظهرت أُسُس ومعايير جديدة للترفيع الاجتماعي جمعت بين النخبة العسكرية والاقتصادية والدينية.

ومع سقوط نظام الأسد والبعث تفتح فرصة جديدة في البلاد مرهونة بنجاح المرحلة الانتقالية في إعادة بناء عوامل الترفيع الاجتماعي ومحدِّداته، ودور النخبة السياسية في خلق التعافي والاستقرار.

الباحثون