تحت المجهر

ارتفاع أسعار المحروقات في سوريا وتداعياته

شارِكْ
قراءة
ارتفاع أسعار المحروقات في سوريا وتداعياته
حجم الخط

رفعت وزارة الطاقة في الحكومة السورية أسعار المحروقات والمشتقات النفطية يوم 13 أيلول/ سبتمبر 2026 بنسبة 40% تقريباً، دفعة واحدة ودون سابق إنذار، فأثار القرار استياءً شعبياً ظهر في وسائل التواصل الاجتماعي، وتحوَّل إلى احتجاجات في عدد من المحافظات السورية، مع قطع طرق وإشعال إطارات وتعليق جزئي لعمل بعض وسائل النقل..

أعلنت وزارة الطاقة أن الإجراء مؤقت ومرتبط بالارتفاع الاستثنائي في كلفة تأمين المشتقات النفطية، ودخول مصفاة بانياس في سوريا مرحلة عمرة وصيانة شاملة وغير مسبوقة في تاريخها تستغرق نحو شهرين إلى 3 أشهر، وذلك لرفع طاقتها الإنتاجية وتحديث وحداتها..

شهدت أسعار المشتقات النفطية في سوريا سلسلة من تعديلات الصعود والهبوط خلال عام 2026، متأثرة بظروف داخلية وخارجية، حيث كانت الأسعار قد انخفضت مع سيطرة الدولة السورية على مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) شرق وشمال البلاد، ثم عادت وارتفعت مع إغلاق مضيق هرمز وعودة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، ثم جاء قرار الرفع الأخير عقب إغلاق مضيق باب المندب في البحر الأحمر نتيجة الاشتباكات الحاصلة في اليمن.

ظهرت أولى انعكاسات ارتفاع أسعار المحروقات في أجور المواصلات، التي ارتفعت في مختلف المناطق بشكل عشوائي وتلقائي بين 35%، و70%، قبل صدور تعرفة موحدة، لكنَّ أثر القرار لا يقتصر على قطاع المواصلات، بل يمسُّ شريحةً أوسع من السكَّان؛ لأنَّ ارتفاع سعر المازوت تحديداً ينعكس مباشرة على كلف الإنتاج والنقل، وبالتالي على كافة السلع والخدمات، وعلى الصناعات الإنتاجية والتحويلية التي تعاني أساساً من كلف الإنتاج العالية التي تضعف قدرتها التنافسية.

تأتي هذه الآثار السريعة على الوضع المعيشي بعد أسبوع واحد من بدء العام الدراسي، وما يحمله على الأسر من تكاليف إضافية، فضلاً عن اقتراب موسم الشتاء والحاجة إلى التدفئة، وهذان الأمران زادا من حجم القلق والاستياء الشعبي من القرار، في وقت ما تزال فيه شريحة واسعة في سوريا عاجزة عن تغطية احتياجاتها الأساسية بصورة مستقرة، نتيجة فجوة الدخل مقابل كلفة المعيشة.

يكشف القرار عن مشكلة في آلية إدارة أسعار الطاقة؛ فقد اعتمدت اللجنة الدائمة لتحديد أسعار المواد البترولية والثروات المعدنية التابعة لوزارة الطاقة منذ منتصف تموز/ يوليو 2026 نشرة يومية تتيح مراجعة أسعار المشتقات وفق المتغيرات في الأسواق العالمية، دون أن يعني ذلك بالضرورة تعديلها كل يوم، ورغم أن هذه الآلية تساعد على مواكبة كلفة الاستيراد وضمان استمرار الإمدادات، فإن تطبيقها في اقتصاد منخفض الدخل ينقل جانباً كبيراً من تقلبات الأسواق الخارجية إلى المواطن والسوق المحلية، بينما لا تتحرك الرواتب والإيرادات بالوتيرة ذاتها.

قد تتحول التعديلات المتقاربة للأسعار من وسيلة لضبط السوق وتأمين المواد إلى عامل إضافي للضغط المعيشي وعدم الاستقرار الاجتماعي، خصوصاً إذا لم يلمس المواطن انخفاضاً مماثلاً وسريعاً عند تراجع كلفة التوريد العالمية، فمصداقية آلية التسعير لا تُقاس بقدرتها على تمرير الارتفاعات فحسب، وإنما بمدى استجابتها في الاتجاه المعاكس أيضاً.

في المقابل، تواجه الحكومة أسباباً فعلية لارتفاع كلفة المحروقات؛ فإعادة صيانة مصفاة بانياس حاجة ضرورية مع أنها تؤدي إلى خفض قدرة التكرير المحلية وزيادة الحاجة المؤقتة إلى استيراد المشتقات الجاهزة، بالتزامن مع ارتفاع أسعار المنتجات المكررة وتكاليف النقل والشحن والتأمين واضطراب طرق الإمداد، فضلاً عن الارتفاع العالمي المستمر للنفط الخام.

لا يمكن إبقاء سعر البيع منفصلاً بصورة كاملة عن كلفة التوريد؛ لأن ذلك يحمِّل الخزينة أعباءً إضافيَّة، وقد يعيد مشكلات الدعم غير المنضبط والتهريب ونقص المواد واختلال السوق، مع الاعتقاد أن مكافحة التهريب قد يكون أحد الأسباب الرئيسية لهذا القرار، لكنَّ وجود هذه الأسباب لا يلغي الحاجة إلى توزيع كلفة الأزمة بين الدولة والمستهلك -بصرف النظر عن أسبابها- بدلاً من نقلها كاملة وفوراً على المواطنين.

خصوصية المرحلة السورية تجعل نقل كامل العبء إلى المستهلك خياراً ذا كلفة اجتماعية وسياسية مرتفعة، وقد يكون الأنسب الحفاظ على تسعيرة ثابتة وعدم تعديلها إلا عند حدوث تغير كبير ومستمر في كلفة التوريد، بحيث تتحمل الدولة جزءاً من التقلبات المؤقتة بدلاً من تمريرها مباشرة إلى الداخل عند كل تغير خارجي، مع ضرورة وجود خطط تكافل اجتماعي ترحم الفئات الهشة والأكثر فقراً في المجتمع عند التعديل، وخطط تنموية لدعم قطاع النقل وباقي القطاعات الخدمية وقطاع الصناعات.

تحتاج الحكومة السورية اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى التعامل مع الاعتراضات باعتبارها مؤشراً على حجم الضغط المعيشي الذي يتعرض له المواطن، وحجم الضغط على اقتصاد السوق الحر، وبالتالي إيجاد الحلول، وليس النظر إلى الاحتجاجات على أنَّها مجرد مشكلة ينبغي معالجتها أمنياً، فالاحتجاجات الحالية تحمل دلالة مهمة للأمن المجتمعي تجاه القرارات التي تمس النقل والغذاء والخدمات يمكن أن تنتج ردة فعل سريعة وغير معروفة النتائج.

بالمحصلة، تكمن المشكلة الرئيسية في الظروف التي جعلت تعديلاً واحداً في أسعار المحروقات قادراً على كشف هذا المستوى من السخط الشعبي، وتحتاج سوريا في المرحلة الحالية إلى سياسة تسعير توازن بين ضمان الإمدادات وقدرة المواطن على الدفع، من خلال تثبيت نسبي لأسعار المواد الغذائية، ومعاملة مدخلات الإنتاج والخدمات الأساسية وفق أثر استخداماتها، وإجراء المراجعات على فترات تسمح للسوق والدخل بالتكيف، ومن شأن ذلك أن يتيح للحكومة معالجة كلفة تأمين الطاقة دون تحويل كل ارتفاع خارجي إلى ضغط داخلي قد تصبح آثاره الاجتماعية والأمنية أكبر من الإيرادات المالية المتحققة منه.

الباحثون