خلال الأيام الأخيرة، تصاعدت شكاوى المستخدمين من صعوبة تحويل الأرصدة الموجودة في تطبيق "شام كاش" إلى سيولة نقدية، فيما تزايدت الشكاوى من امتناع شركات الصرافة في دمشق ومناطق أخرى عن صرف أرصدة التطبيق، أو فرض عمولات مرتفعة على عمليات السحب.
ردّت إدارة "شام كاش" برسالة نشرتها عبر الحسابات الرسمية للتطبيق، أعلنت فيها إطلاق خدمة للشكاوى عبر موقعها الإلكتروني؛ للإبلاغ عن أيّ مخالفة تتعلق بعمليات السحب لدى شركات الصرافة والحوالات المعتمدة، أو الوكلاء والفروع والمكاتب التابعة لشبكاتها، مؤكدة أن الحدّ الأقصى المعتمد لعمولة السحب هو 3 بالألف.
غير أنّ شركات الصرافة عللت امتناعها عن صرف أرصدة التطبيق بتعطل الرابط الإلكتروني مع مصرف سوريا المركزي، وتوقُّف عمليات سحبها النقدية من المصرف منذ الخميس 13 آب/ أغسطس 2026، باستثناء تزويدها بكميات محدودة جداً. وأدى ذلك إلى تراكم كبير في الأرصدة وطلبات السحب لدى معظم المكاتب، مما دفعها إلى إيقاف تقديم الخدمة وتجميد عمليات الصرف لعدم توافُر السيولة النقدية البديلة.
وكانت شركات الصرافة قد أودعت لدى مصرف سوريا المركزي مبلغ مليون دولار كتأمين مع بدء عملية استبدال العملة، وبعد انتهاء الغاية التي دُفع التأمين من أجلها، طالبت الشركات باسترداده، إلا أن طلباتها بقيت تنتقل بين مفوضية الحكومة لدى المصارف ولجنة استبدال العملة دون إجابة نهائية.
ومع صدور قرار تمديد استبدال العملة في المحافظات الشرقية، تركزت السيولة الجديدة في تلك المناطق، مما أحدث نقصاً حاداً في السيولة النقدية المتاحة للتسليم عبر شبكات "شام كاش" في المحافظات الأخرى. ويواصل المصرف المركزي استبدال العملة القديمة عبر مراكز البريد والمنصة الإلكترونية، مع تحويل قيمتها بالعملة الجديدة إلى حساب مصرفي دون رسوم أو عمولات.
ويمكن النظر إلى قرار تمديد فترة استبدال العملة على أنه خُطوة إدارية حَذِرة تعكس إدراك المصرف المركزي لحجم التحدي اللوجستي والنفسي الذي تمثله هذه العملية. وفي المقابل، أسهمت مجموعة من القرارات الهادفة إلى تحسين القوة الشرائية لليرة أمام العملات الأجنبية في زيادة الطلب عليها، بما ساعد على خلق أزمة في السيولة النقدية بالليرة السورية.
فقد أقرت وزارة الطاقة، في 25 حزيران/ يونيو، اعتماد الليرة السورية عملة أساسية في جميع عمليات بيع المشتقات النفطية. كذلك بدأ مصرف سوريا المركزي خُطوات عملية تهدف إلى سحب الليرة التركية من التداول في الشمال السوري، لا سيما في ريفَيْ حلب وإدلب، وفرض التعامل بالليرة السورية بوصفه إجراءً أولياً لتوحيد السياسة النقدية في البلاد، ما خلق طلباً إضافياً على العملة السورية الجديدة.
وتكشف الأزمة عن مشكلة تتجاوز حدود تعطُّل خدمة إلكترونية أو امتناع بعض شركات الصرافة عن تنفيذ عمليات السحب؛ إذ يظهر شُحّ السيولة أيضاً في قرار المصرف الزراعي التعاوني المتعلق بآلية صرف مستحقات الفلاحين عن موسم الحبوب لعام 2026، الذي خصص 25% من صافي مستحقات الفلاحين للتحويل الإلكتروني عبر تطبيق "شام كاش".
ويدرك مصرف سوريا المركزي أزمة السيولة المرتبطة بنقص كميات العملة الجديدة المطبوعة؛ إذ جرت مباحثات بين سوريا وتركيا في حزيران/ يونيو بشأن طباعة العملة السورية الجديدة في تركيا. كما بدأ المصرف التحرك نحو توسيع عمليات الدفع الإلكتروني، من خلال تنظيم عمل شركات المحافظ الإلكترونية وخدمات الدفع الرقمي، بهدف تخفيف أعباء توفير السيولة النقدية ونقل جزء مهم من النشاط الاقتصادي إلى بيئة إلكترونية تعتمد على البيانات والتكنولوجيا والربط المالي الفوري.
ويشمل ذلك عمليات الدفع والتحويل والشراء والجباية، بهدف تقليل الاعتماد على المعاملات النقدية التقليدية، ضِمن مسار أوسع لتحديث البنية التقنية والمالية في البلاد.
إلا أن اعتماد المواطنين على النقد ظلّ مرتفعاً نتيجة عدم اكتمال شبكة الدفع الإلكتروني وانتشارها لدى قطاعات واسعة من تجار التجزئة، كالمحال التجارية والأسواق ووسائل النقل، ما يَحُول دون استمرار الأموال في الدورة الرقمية، ويدفع أصحاب المحافظ إلى سحب أرصدتهم نقداً.
وتبرز الخطورة عند تعثُّر عمليات السحب من المحافظ الإلكترونية، كما يحصل مع "شام كاش"؛ إذ يمتلك المواطن رصيداً إلكترونياً لا يستطيع تحويله بسهولة إلى نقد عند الحاجة. ويعيد ذلك الجاذبية إلى السيولة النقدية، ويزيد ميل المواطنين إلى الاحتفاظ بأموالهم خارج المحافظ الإلكترونية والمصارف تحسُّباً لأيّ تعطُّل أو تأخير في الوصول إليها.
من هنا تكمن أزمة "شام كاش" وخطورتها؛ حيث تكشف أن التحول إلى الدفع الإلكتروني هو عملية لبناء الثقة وليس قراراً تقنياً فحَسْبُ. وتتطلب هذه الثقة توافُر النقد عند الحاجة، وانتظام خدمات السحب، ووضوح العمولات، وتعدُّد نقاط قبول الدفع الإلكتروني، إضافة إلى قدرة المصارف والمحافظ الإلكترونية على معالجة الأعطال بسرعة.

