تحت المجهر

آثار قرار جامعة الدول العربية رفع العقوبات عن سوريا

شارِكْ
قراءة
آثار قرار جامعة الدول العربية رفع العقوبات عن سوريا
حجم الخط

قررت جامعة الدول العربية في الدورة رقم 166 لمجلس الجامعة على مستوى وزراء الخارجية، التي عُقدت في القاهرة بتاريخ 7 أيلول/ سبتمبر 2026، رفع كافة العقوبات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المفروضة على سوريا من قِبل مؤسسات وهيئات الجامعة وأجهزة العمل العربي المشترك، وهي العقوبات المنصوص عليها في عدد من القرارات العربية التي صدرت جميعها أواخر عام 2011، واستثنى القرار من ذلك العقوبات الفردية المفروضة على قائمة من المسؤولين، بما يشمل منعهم من السفر وتجميد أرصدتهم.

استند قرار رفع العقوبات إلى مذكرتين مرسلتين من المندوبية الدائمة لسوريا في الجامعة، الأولى برقم 220 بتاريخ 26 تموز/ يوليو 2026، والثانية برقم 229 بتاريخ 3 آب/ أغسطس 2026 ومرفقها الشارح لها.

يُعَدّ القرار رقم 7442 الصادر بتاريخ 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2011 أهم قرارات العقوبات العربية وأوسعها؛ إذ شمل وقف التعامل مع البنك المركزي السوري، ووقف التبادلات التجارية الحكومية، وتجميد الأرصدة المالية للحكومة السورية، ووقف جميع التعاملات المالية معها ومع البنك التجاري السوري، ووقف تمويل أي مبادلات تجارية حكومية من قِبل البنوك المركزية العربية مع البنك المركزي السوري، ومطالبة هذه البنوك بمراقبة الحوالات المصرفية والاعتمادات التجارية، وتجميد تمويل إقامة مشاريع على الأراضي السورية من قِبل الدول العربية، وتلا هذا القرارَ بأسبوع قرارٌ قضى بحظر توريد جميع أنواع الأسلحة إلى سوريا من قِبل الدول العربية.

تأخر صدور قرار الجامعة في رفع العقوبات مقارنة بقرارات مماثلة اتخذها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ودول أخرى، مما قد يشير إلى أن التوافق العربي حول رفعها احتاج إلى وقت أطول، بسبب مواقف بعض الدول من الحكومة السورية الجديدة. لكن صدور القرار بالإجماع، ودون تحفُّظ أي دولة على أحد بنوده، يدل على أن هذه المواقف والخلافات لم تَعُدْ تحول دون التوصل إلى موقف عربي مشترك تجاه سوريا.

يُعَدّ القرار إنجازاً دبلوماسياً وحكومياً سورياً كبيراً؛ كون الإجماع العربي حدث في غضون 20 شهراً تقريباً، وهي مدة تقارب المدة التي استعادت فيها سوريا مشاركتها في الجامعة خلال عهد نظام الأسد، بين 7 تموز/ يوليو 2023 إلى سقوطه في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، لكنه فشل في إقناع الجامعة بتغيير سلوكه وباستحقاق رفع العقوبات عنه، كما مُني بفشل مماثل في إقناع المجتمع الدولي بأسره بذلك، وعلى رأسه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. وبذلك، يعكس القرار عودة سوريا إلى العمل العربي المشترك، فضلاً عن نجاح الحكومة الجديدة في الحصول خلال مدة قصيرة نسبياً على مستوى من الثقة العربية لم يتمكن نظام الأسد من بلوغه بعد استعادة مشاركته في الجامعة.

سيكون لهذا القرار آثار كبيرة ومهمة على الاقتصاد السوري في جميع المجالات المالية والتجارية والصناعية والزراعية، بما يشمل القطاعات الحيوية الكبرى مثل الطاقة والكهرباء، والنقل والموانئ، والبنية التحتية، والتطوير العقاري، والزراعة والصناعات الغذائية، وهي جميعها مجالات وقطاعات جرى توقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم وعقود حولها بعشرات المليارات مع حكومات عربية ومستثمرين عرب في الفترة الماضية، لكن قسماً كبيراً منها لم يجد طريقه إلى التنفيذ.

ومن شأن رفع العقوبات العربية إزالة أحد القيود القانونية والمؤسسية التي أعاقت تنفيذ هذه الاتفاقيات، بعدما كانت العقوبات الأمريكية تمثل بدورها عائقاً أمام الاستثمارات العربية، بسبب احتمال تعرض الجهات المنخرطة فيها لعقوبات ثانوية، وبذلك يكتسب القرار العربي أثره الاقتصادي من تزامنه مع رفع العقوبات الأمريكية والأوروبية، بما يقلل الأخطار القانونية والمالية التي كانت تواجه المستثمرين العرب.

بالمحصلة يُعَدّ قرار رفع جامعة الدول العربية كافة العقوبات السياسية والاقتصادية والاجتماعية عن سوريا قراراً مهماً ومفصلياً؛ فهو يتوّج قرارات أمريكية وأوروبية مماثلة، ويعكس تنامي الثقة العربية بسياسة الحكومة السورية وتعاملها مع قضايا الأمن القومي العربي، لا سيما على خلفية الحرب الدائرة مع إيران. كما يزيل أحد أبرز العوائق أمام تدفُّق الاستثمارات العربية، وإنْ كان تحويل الاتفاقيات الموقعة إلى مشاريع فعلية سيبقى مرتبطاً أيضاً بتهيئة البيئة القانونية والإدارية والأمنية داخل سوريا، وإذا ترافق رفع العقوبات مع معالجة هذه المتطلبات، فقد تبدأ آثاره بالظهور سريعاً في النشاط الاقتصادي ومستوى الخدمات المقدمة للسكان في مختلف مناطق البلاد.

الباحثون